الاقتصاد الكلي

توقعات الاقتصاد العالمي لعام 2026: إعادة ضبط السياسات، وإعادة هيكلة التجارة، وتحول نماذج النمو طويلة الأجل

في عام 2026، سيدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من دورة التأثير العميق للسياسات. تتحول الحواجز التجارية نحو اتفاقيات أعلى تكلفة، ويتعمق التعاون الإقليمي غير الأمريكي، وتشتد المنافسة على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بينما يوفر تباين مسارات دول مثل الأرجنتين وكندا نافذةً لفهم كيفية تكيف الاقتصادات المختلفة مع المشهد الجيوسياسي الجديد.

سيتّسم أداء الاقتصاد العالمي في عام 2026 بـ«قصورٍ ذاتي» مختلف عمّا كان عليه في السنوات الخمس الماضية. إذا كان جوهر المرحلة السابقة هو التضخم ما بعد الجائحة وعمليات البنوك المركزية المتلاحقة لرفع أسعار الفائدة، فإن المحور الرئيسي على مستوى الاقتصاد الكلي في 2026 سيكون السياسات نفسها — قواعد التجارة، والانضباط المالي، وآليات أسعار الصرف، والاستثمار في الابتكار. لم تعد اقتصادات كثيرة تكتفي بالاستجابة لتقلبات الأسواق، بل تعمل على تعديل معاييرها المؤسسية طويلة الأجل. وهذه الجولة من التغيرات الناجمة عن الانتخابات وتحوّلات السياسات تتحوّل من صدمات أحداث إلى متغيرات عميقة في تدفقات رأس المال العالمية ومسارات النمو.

أولًا: النظام التجاري: من «عدم اليقين» إلى «قابلية التنبؤ عالية التكلفة»

كان أبرز صدمة اقتصادية عالمية في عام 2025 هي التحوّل المفاجئ في السياسات التجارية. فقد أقامت الولايات المتحدة حواجز جمركية وغير جمركية أعلى، مما عطّل سلاسل التوريد القائمة وأحدث تقلبات في الأسواق المالية. وفي وقت لاحق، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقيات جديدة مع عدد من الشركاء التجاريين، فعاد جزءٌ من القدرة على التنبؤ في بعض العلاقات، لكن ذلك جاء بتكلفة أعلى للنشاط العابر للحدود. وفي الوقت نفسه، أُبرمت مزيد من الاتفاقيات التجارية بين الاقتصادات غير الأميركية، وبدأت شبكات التجارة الإقليمية تسدّ الثغرات في النظام العالمي.

هذا العصر التجاري القائم على «قابلية التنبؤ عالية التكلفة» سيزداد ترسّخًا في عام 2026. وبالنسبة إلى الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأميركية، قد لا تكون الاتفاقيات كافية لحماية الأسعار والاستثمارات بشكل كامل؛ لأنه حتى مع الإعفاء من الرسوم الجمركية، ستظل الجداول الزمنية السياسية مصدرًا لمخاطر جديدة. وكندا مثال على ذلك: فمن المرجّح ألا تشهد الإعفاءات الجمركية بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تغييرات جوهرية في 2026، لكن الاتفاقية نفسها ستدخل في مراجعات ومناقشات في يوليو/تموز. لذلك، قد تواصل الشركات في 2026 تأجيل إنفاقها على المصانع والمعدات وسلاسل التوريد، بانتظار حدود سياسات أكثر وضوحًا. والندوب التي تركها انخفاض ثقة الأعمال في 2025 لن تلتئم فورًا بسبب أسعار الفائدة المنخفضة.

ثانيًا: بُعد آخر للسياسات: إعادة توزيع الأدوار بين السياسة المالية وأسعار الفائدة

على مستوى البنوك المركزية، أصبح هامش التحرك في سياسات أسعار الفائدة أضيق بكثير مما كان عليه في الماضي، إذ يتعين على العديد من البنوك المركزية تقييم مخاطر النمو في سياق لم يكتمل فيه تراجع التضخم بعد. ومن المتوقع أن يُبقي بنك كندا المركزي على سعر الفائدة دون تغيير في عام 2026، سعيًا لتحقيق توازن بين الهشاشة الخارجية والطلب المحلي. وهذا «الانتظار والترقب» بحد ذاته إشارة سياساتية: فالسياسة النقدية لم تعد أداة الضبط الوحيدة.

ولذلك، أصبحت السياسة المالية في موقع أكثر هيكلية. وتنفّذ كندا مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تشجيع الاستثمار التجاري، تشمل تبسيط الأنظمة التنظيمية، وتوسيع الإنفاق على البنية التحتية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ودعم القطاعات المتضررة من الرسوم الجمركية الأميركية. والإنفاق المالي هنا ليس مجرد أداة تحفيز، بل هو وسيلة لتخفيف القيود على جانب العرض ومساعدة الاقتصاد على الانتقال إلى توازن تجاري جديد. غير أنه إذا استمر ضعف ثقة الأعمال، فقد يكون تنفيذ هذه الإجراءات أبطأ من المتوقع.

ثالثًا: الأرجنتين: مسار من الاستقرار إلى النمو في ظل انضباط مالي صارمإذا كانت الاقتصادات المتقدمة تبحث عن حدود السياسات في ظل حالات عدم اليقين الخارجي، فإن الأرجنتين تقدّم حالة متكاملة لمعالجة الاختلالات الداخلية. فقد سعى برنامج التعديل الذي بدأ في نهاية عام 2023 إلى إعادة بناء المصداقية على المستوى الكلي من خلال الضبط المالي، وإلغاء التمويل النقدي للعجز المالي من جانب البنك المركزي، واعتماد آلية سعر صرف زاحفة تدريجية. وعلى الرغم من التكلفة الأولية الباهظة، كانت النتائج لافتة: انخفض التضخم من ذروة بلغت نحو 300% في عام 2024 إلى 29.4% في عام 2025، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 13.7% في عام 2026. وقد اقترب التغير الشهري للأسعار من 2% بنهاية عام 2025، وبدأت توقعات التضخم تستقر، وعاد الطلب المحلي على النقود إلى وضعه الطبيعي.

أما الإنجاز المالي فكان أكثر حسماً. ففي عام 2024 حققت الأرجنتين فائضاً مالياً أولياً يعادل 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأول منذ أكثر من عقد الذي يشكّل قيداً صارماً يتجاوز احتياجات التمويل الخارجي. ولأن النتائج المالية أصبحت قابلة للتحقق، أمكن لصافي الاحتياطيات الدولية أن يتحول من السالب إلى الموجب في عام 2026. وهذا، إلى جانب دعم صندوق النقد الدولي وتدفقات رأس المال في إطار نظام الحوافز RIGI، يعمل على تغيير المنطق الأساسي للهشاشة الخارجية. فقد انخفضت علاوة المخاطر السيادية من نحو 2500 نقطة أساس في نهاية عام 2023 إلى نحو 600 نقطة أساس في نهاية عام 2025، ما هيّأ الظروف لعودة الأرجنتين إلى أسواق رأس المال الدولية في عام 2026. وهذه ليست مجرد قصة تعافٍ، بل هي نموذج مهم لاقتصادات الأسواق الناشئة في محاولتها التحرر من حلقة “العجز المالي – إصدار النقود – التضخم المرتفع – توقعات انخفاض قيمة العملة”.

رابعاً: محرك النمو الجديد: القدرة الطاقية ورسملة الموارد

بالنسبة إلى الأرجنتين، لا يقتصر مفتاح كسر الدورة على الانضباط المالي فحسب، بل يتجاوزه إلى تحويل المزايا الطبيعية إلى أصول قابلة للاستثمار. فمنطقة فاكا مويرتا للنفط والغاز الصخري تعمل، بفضل خطوط الأنابيب الجديدة ومشاريع تصدير الغاز الطبيعي المسال، على تحويل الأرجنتين من مستورد صافٍ للطاقة إلى مصدر صافٍ لها. ويشكّل فائض التجارة في الطاقة دعامة صلبة للحساب الجاري، كما يعزز استدامة تراجع التضخم.

أما قطاع التعدين فيُظهر كيف يمكن للتصميم المؤسسي أن يؤثر في اتجاهات رأس المال. إذ يمنح نظام الحوافز للاستثمارات الكبيرة (RIGI) المشاريع التي تتجاوز 200 مليون دولار استقراراً ضريبياً واستقراراً في سعر الصرف لمدة تصل إلى 30 عاماً، مما حفّز بشكل مباشر الاستثمارات طويلة الأجل في الليثيوم والنحاس والبنية التحتية، حيث تجاوز حجم الاستثمارات المعلنة 30 مليار دولار. لن ترفع هذه المشاريع الناتج المحلي الإجمالي فوراً، لكن التزاماتها هي التي ستحدد مستوى دورة الاستثمار في السنوات المقبلة. لم يعد رأس المال موجهاً إلى المراجحة قصيرة الأجل فحسب، بل أصبح مدمجاً في سلاسل إنتاج الموارد ذات دورة الحياة الطويلة. وهذا هو الاتجاه المهم لتدفقات رأس المال العالمية في عام 2026 وما بعده: فمصداقية السياسات أصبحت بمثابة بطاقة دخول للدول الغنية بالموارد لجذب الاستثمار الأجنبي.

خامساً: سباق الابتكار في الذكاء الاصطناعي: الازدهار والفقاعة في معادلة واحدة

على الصعيد التقني، يشكّل الذكاء الاصطناعي المتغير الأكبر في إمكانات النمو العالمي عام 2026. فالعديد من الحكومات والشركات لا تكتفي بنشر التطبيقات، بل تعمل أيضاً على بناء البنية التحتية للقدرة الحاسوبية والطاقة والبيانات اللازمة لدعم الذكاء الاصطناعي؛ فبعض البلدان تحاول البقاء في الطليعة التقنية، في حين تسعى بلدان أخرى إلى توفير الوقت وتجنب التخلف عن الركب. ومن المتوقع أن تظل الاستثمارات المرتبطة بالنظام البيئي للذكاء الاصطناعي في عام 2026 شديدة الحرارة.لكن التاريخ الاقتصادي الكلي يُظهر أن كل دورة استثمار في الابتكار سريعة الصعود تشتمل على آلية تصحيحٍ ذاتي. وإذا خُفِّضت افتراضات النضج، فإن النفقات ذات الصلة قد تشهد تصحيحًا مركّزًا وسريعًا، كما ستتكيّف شهية المخاطرة العالمية والبيئة المالية من جراء ذلك. إنّ رفع الإنتاجية عبر استثمارات الذكاء الاصطناعي رؤيةٌ بعيدة المدى، لكن الإنفاق الرأسمالي بحد ذاته دوري — إذ قد يحفّز ازدهارًا جديدًا، وقد يصبح مصدرًا من مصادر تقلّب النمو في المستقبل.

الخلاصة: إعادة فهم النمو في عام 2026

سواءً كان الأمر يتعلق بسياسة الترقّب التي تنتهجها كندا وإمدادها المالي، أو بعملية التثبيت في الأرجنتين وتحوّل استثمارها في الموارد، أو بسباق الدول على الاستثمار في أحدث ما وصل إليه الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك كلّه يمكن ردّه إلى اتجاهٍ واحد: يحاول الاقتصاد العالمي الانتقال من «هيمنة إشارات الأسعار» إلى «هيمنة الترتيبات المؤسسية». فالنمو ليس مجرد تابعٍ لانخفاض أسعار الفائدة، بل هو نتاج التنسيق بين السياسات التجارية والمالية وسياسات التكنولوجيا.

من غير المرجّح أن يقدّم عام 2026 سرديةً بسيطةً عن انتعاشٍ عالميٍّ أو ركودٍ عالميٍّ. والأكثر ترجيحًا أن تسلك الاقتصادات المختلفة مساراتٍ متفرقة في ضوء تباين ما لديها من حيّزٍ للسياسات وسرعة التحوّل الهيكلي، ثم يُعاد ربط بعضها ببعض عبر اتفاقيات تجارية مرتفعة التكلفة، واستثمارات صناعية تنافسية، وشبكات تجارية إقليمية. وفي خضمّ هذه العملية، سيكون التوتر بين حالة عدم اليقين على صعيد السياسات والاستراتيجيات طويلة الأجل للشركات هو ما يحدّد المستوى الجديد الذي يستطيع الاقتصاد العالمي أن يرتقي إليه.

بوصلة المصادر · ecobserver

تضع ecobserver هذه الملاحظة ضمن تحليل اقتصادي كلي عالمي هادئ وقائم على البيانات يغطي التضخم والبنوك المركزية والتجارة والمناطق والاسواق وال... (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص). ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ الاقتصاد الكلي / السياسة النقدية / التجارة والبيانات يوضح الزاوية التحريرية المحلية.

Source URLs

  1. https://www.deloitte.com/us/en/insights/topics/economy/global-economic-outlook-2026.htmlPrimary

مقالات ذات صلة

العودة الى القناة