الاقتصاد الاقليمي
يتأرجح النمو العالمي بين الصدمات الجيوسياسية وعوائد الذكاء الاصطناعي: لماذا قد يصبح "الركود المنخفض، والتقلب المرتفع" هو الوضع الطبيعي الجديد
أظهر أحدث استطلاع لخبراء الاقتصاد الرئيسيين في المنتدى الاقتصادي العالمي أن توقعات النمو العالمي تتدهور، وأن التضخم يعود إلى الارتفاع من جديد، بينما لا يزال الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه بوصفه دعماً مهماً في المدى المتوسط. وما يستحق الانتباه حقاً ليس الصدمة لمرة واحدة بحد ذاتها، بل إن الاقتصاد العالمي ينتقل من التوازن القديم القائم على «انخفاض التضخم، وانخفاض أسعار الفائدة» إلى دورة جديدة تحددها معاً الطاقة، والجغرافيا السياسية، وضغوط الديون، وانتشار التكنولوجيا.
المشكلة الحقيقية للاقتصاد العالمي: ليست ما إذا كان سيدخل في ركود، بل بأي طريقة سيتباطأ
إن الإشارة الصادرة عن أحدث استطلاع لرؤساء الاقتصاديين من المنتدى الاقتصادي العالمي لا تقول إن «الاقتصاد العالمي على وشك السقوط في ركود عميق»، بل تشير إلى حالة أكثر تعقيدًا: تباطؤ النمو، وعودة التضخم إلى الارتفاع، وتقلص الحيز المتاح للسياسات، وارتفاع تقلبات الأسواق المالية. إنها صورة نموذجية لـ«احتمال ركود منخفض، وعدم يقين مرتفع»، كما أنها تشبه أكثر مرحلة انتقالية قبل دخول الاقتصاد العالمي دورة جديدة.
يُظهر الاستطلاع أن ما يقرب من تسعة من كل عشرة من رؤساء الاقتصاديين المشاركين يتوقعون أن يضعف النمو العالمي خلال الأشهر الـ12 المقبلة؛ وفي الوقت نفسه، يتوقع 94% ارتفاع التضخم العالمي. وعند جمع هذين الحكمين معًا، فهذا يعني أن السوق لا يواجه مجرد ضعف بسيط في الطلب، بل إن صدمات جانب العرض والقيود السياسية عادت لتطغى على منطق التعافي التقليدي.
هذا النوع من التركيبة غير ملائم بصورة خاصة للتعافي المنسق للاقتصاد العالمي. فعندما يكون ضغط النمو ناتجًا أساسًا عن صدمة خارجية لا عن اختلالات داخلية، لا تستطيع البنوك المركزية أن تخفف السياسة بسرعة كما تفعل عند انهيار الطلب، كما يصعب أيضًا الاعتماد على التحفيز المالي وحده لإتمام انتقال سلس. وغالبًا ما تكون النتيجة: تباطؤ اقتصادي أبطأ، وأطول، وأكثر تفاوتًا.
أهمية صدمة الشرق الأوسط تكمن في أنها أعادت فتح جرح «التضخم الناجم عن الطاقة»
العامل المحفز الرئيسي لهذا التدهور هو وضع الشرق الأوسط والمخاطر المرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز. ومن منظور الاقتصاد الكلي العالمي، ليس مضيق هرمز مجرد اسم مجرد في الأخبار الجيوسياسية، بل هو نقطة مفصلية في نظام تسعير الطاقة. وما دام هذا الممر غير مستقر، فإن أسعار النفط، وتأمين الشحن، ودورات النقل، واستراتيجيات المخزون ستتغير بصورة مترابطة.
ولا تقتصر آثاره الكلية على الطاقة نفسها. فارتفاع أسعار الطاقة ينتقل عبر ثلاثة مسارات:
1. رفع التضخم مباشرة، ولا سيما أسعار النقل والسلع الصناعية والغذاء؛ 2. ضغط هوامش أرباح الشركات، مما يضعف قدرة الصناعات التحويلية والخدمات على التسعير؛ 3. إجبار البنوك المركزية على الإبقاء على بيئة فائدة أكثر تشددًا، وبالتالي إبطاء تعافي الائتمان العالمي.
ولهذا السبب، يرى معظم الاقتصاديين في الاستطلاع أن الضرر الناجم عن هذه الصدمة أصبح أعلى بكثير من اضطراب الرسوم الجمركية في العام الماضي. فصدمة الرسوم الجمركية تغيّر أساسًا تكاليف التجارة، بينما صدمة الطاقة تغيّر في الوقت نفسه التضخم والاستهلاك والمخزونات والشحن وشهية المخاطرة في أسواق رأس المال. إنها أقرب إلى «اضطراب شامل عبر كامل السلسلة».
إذا استمر هذا الاضطراب حتى النصف الثاني من العام، فقد لا تكون وتيرة التراجع في النمو العالمي مجرد تصحيح قصير الأجل، بل قد تتحول إلى ضغط متسلسل على استثمارات الشركات، وإنفاق الأسر، وظروف التمويل الخارجي في الأسواق الناشئة.
خطورة عودة التضخم هذه المرة أنها تحدث في عالم مثقل بالديون
على خلاف موجة التضخم السابقة، لا يمتص الاقتصاد العالمي اليوم الصدمة في بيئة منخفضة الرفع المالي. فبعد الجائحة، تحملت الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء ديونًا عامة أعلى، بينما تراكم لدى قطاع الشركات هيكل تمويلي أكثر هشاشة، لا سيما في مجالات الائتمان الخاص، والقروض المرفوعة ماليًا، وتمويل المؤسسات غير المصرفية.هذا يفسر لماذا توقع 79% من المشاركين في الاستطلاع أن تتزايد تقلبات سوق الديون الخاصة خلال العام المقبل، وتوقع 74% أن تتزايد تقلبات سوق الديون العامة. ورغم أن أسعار الفائدة تراجعت قليلًا عن ذروة دورة التشديد السابقة، فإن ضغوط إعادة تمويل مخزون الديون العالمي لم تختفِ. وما دامت التضخمات تعود إلى الارتفاع، فستواجه البنوك المركزية خطر البقاء في وضع «الفائدة المرتفعة لفترة أطول» لمدة زمنية أطول.
وهذا الأمر يضر بشكل خاص الاقتصادات ذات الحيز المالي المحدود. فصدمة التضخم في بيئة عالية المديونية، ستحول بسرعة ما كان مجرد مشكلة دورية إلى مشكلة تتعلق باستدامة التمويل. وبعبارة أخرى، التضخم ليس مجرد مشكلة أسعار، بل هو أيضًا مضاعِف لقيود المالية العامة والديون.
أصعب ما تواجهه البنوك المركزية ليس رفع الفائدة أم خفضها، بل كيفية التعامل مع «الركود التضخمي من جانب العرض»
هذه الجولة من التباين في الاقتصاد العالمي تُظهر مجددًا أن سياسات البنوك المركزية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا. فإذا كان تباطؤ النمو ناتجًا عن ضعف الطلب، فإن خفض الفائدة يمكن أن يوفر بعض التخفيف؛ أما إذا كان التباطؤ مرتبطًا بصدمات الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد، فإن التيسير السريع قد يفاقم توقعات التضخم بدلًا من احتوائها.
ولهذا السبب تبدو الوضعية التي تواجهها أوروبا حساسة للغاية. فالاقتصاد الأوروبي أكثر اعتمادًا على الطاقة الخارجية، كما أن نشاط التصنيع فيه أكثر عرضة لصدمة التكاليف المستوردة. وإذا اجتمع ضعف النمو مع عودة التضخم في الوقت نفسه، فسيواجه البنك المركزي الأوروبي المفاضلة الكلاسيكية للركود التضخمي: فالتيسير المبكر جدًا يضعف المصداقية في مكافحة التضخم، بينما الإبقاء على التشديد قد يزيد الضغط على النمو.
أما الولايات المتحدة والهند، فاستمرارهما في النظر إليهما كاقتصادات أكثر مرونة نسبيًا لا يعود فقط إلى تحسن البيانات قصيرة الأجل، بل إلى تمتعهما بهوامش امتصاص أقوى في هيكل الطلب المحلي وتدفقات رأس المال وانتقال السياسات. فما تزال الولايات المتحدة تستفيد من دعم قوي للاستهلاك والاستثمار، بينما تواصل الهند الاستفادة من طلب محلي أكثر استقرارًا ودورة إنفاق رأسمالي متينة نسبيًا.
هذا التباين يعني أن السياسة النقدية العالمية تتجه نحو حالة جديدة من اللا تماثل: الصدمـة الخارجية نفسها ستؤدي إلى استجابات سياسية مختلفة تمامًا بين الاقتصادات المختلفة. وهذه هي بالضبط جذور تزايد تقلب أسعار الصرف العالمية وتدفقات رأس المال في السنوات المقبلة.
الأسواق الناشئة لا تواجه ضغطًا واحدًا، بل ضغطًا ثلاثيًا
بالنسبة للأسواق الناشئة، فإن تضخم الطاقة، وأسعار الفائدة الأميركية، وتراجع شهية المخاطرة العالمية، غالبًا ما تتزامن معًا. وتُظهر الاستطلاعات أن توقعات التضخم في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء قد ارتفعت إلى الأعلى بين جميع المناطق، وليس ذلك مفاجئًا، لأن هذه المنطقة أكثر حساسية لواردات الغذاء والطاقة، كما أن هوامشها المالية أضعف.
وتشمل الضغوط الثلاثية التي تواجه الأسواق الناشئة ما يلي:
- ارتفاع فاتورة الواردات: ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يوسع ضغط الحساب الجاري؛
- ضغط على سعر الصرف: عندما ترتفع نزعة تجنب المخاطر عالميًا، تتجه رؤوس الأموال عادةً نحو الأصول المقومة بالدولار؛
- ارتفاع تكلفة التمويل: تكون المخاطر أكبر في الدول التي ترتفع فيها أسعار الفائدة الخارجية وتكون آجال إعادة تمويل الديون فيها أقصر.
في هذا السياق، فإن ما يُسمى «الارتفاع العالمي للتضخم» لا يقتصر على مشكلة التضخم الأساسي في أوروبا والولايات المتحدة، بل قد يعيد تشكيل إيقاع السياسات في الأسواق الناشئة. وقد تضطر كثير من البنوك المركزية إلى إعطاء أولوية لاستقرار سعر الصرف والحد من خروج رؤوس الأموال قبل تحفيز النمو.## لا تزال الذكاء الاصطناعي جزءًا من سردية النمو، لكنه أشبه بمتغير متوسط الأجل لا أداة تحوّط فورية ضد الصدمات
الجانب الآخر الأكثر لفتًا في الاستطلاع هو أن 92% من كبار الاقتصاديين يتوقعون أن يستمر تبنّي الذكاء الاصطناعي في التوسع خلال العام المقبل. وهذا يشير إلى أن اتجاه انتشار التكنولوجيا لم يتغير، وأن ثقة السوق في الذكاء الاصطناعي بوصفه محركًا طويل الأجل للإنتاجية لا تزال قائمة.
لكن التغير الحاسم يكمن في أن: تحسّن الإنتاجية الناتج عن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه عمومًا على أنه سيتحقق في وقت متأخر أكثر مما كان متوقعًا في بداية العام. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يظل عاملًا داعمًا هيكليًا، لكنه لا يكفي لتعويض الصدمات الجيوسياسية وعودة التضخم وتشديد التمويل على المدى القصير.
من منظور القطاع الصناعي، لن تتوزع مكاسب الذكاء الاصطناعي بالتساوي أيضًا. فالتوقعات في مجالي تكنولوجيا المعلومات والتعليم ما تزال مستقرة نسبيًا، لكن توقيت تحسن الإنتاجية في قطاعات مثل الهندسة والبناء والمرافق والخدمات الطبية وخدمات الرعاية قد تأخر بشكل ملحوظ. وهذا يوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس متغيرًا سحريًا يمكنه فورًا أن يحل محل العمالة وضغوط التكاليف على نطاق واسع، بل يعتمد أكثر على البنية التحتية للبيانات، وإعادة هندسة العمليات، والبيئة التنظيمية.
وعلى المستوى الكلي، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة. فإذا كانت أرباح الذكاء الاصطناعي ستظهر أساسًا على المدى المتوسط والطويل، بينما تأتي صدمة الطاقة وضغوط المالية العامة بشكل فوري، فإن الاقتصاد العالمي سيبقى لفترة في حالة “المشكلات القديمة تتفاقم أولًا، والنمو الجديد يصل لاحقًا”.
لماذا قد تكون هذه بداية دورة طويلة جديدة
من منظور دورة أطول، يبتعد الاقتصاد العالمي عن مرسيين رئيسيين من العقد ونصف العقد الماضيين:
- النصف الثاني من عصر العولمة الذي اتسم بانخفاض التضخم، وانخفاض أسعار الفائدة، وانخفاض التقلبات؛
- نموذج النمو القائم على كفاءة سلاسل الإمداد والتدفق الحر لرأس المال عبر الحدود.
الآن، تعيد الجغرافيا السياسية تشكيل مسارات التجارة، وتعيد الطاقة تسعير المخاطر، ويعيد الدين تعريف حدود السياسات، بينما قد يصبح الذكاء الاصطناعي مصدرًا جديدًا للإنتاجية. لكن المشكلة أن هذه العناصر الأربعة لا تتحرك بالتزامن.
لذلك، من المرجح أن يتسم المشهد الاقتصادي الكلي العالمي خلال السنوات المقبلة بالخصائص التالية:
- انخفاض مركز النمو، لكن من دون حدوث ركود شامل بالضرورة؛
- سهولة أكبر في إعادة إشعال التضخم بفعل الصدمات من جانب العرض؛
- صعوبة عودة البنوك المركزية سريعًا إلى عصر التيسير الشديد؛
- ميل رأس المال إلى التدفق نحو الاقتصادات الأكثر قوة على مستوى المرونة الهيكلية؛
- تفاقم التباين الإقليمي وتقلص مساحة المراجحة العالمية.
وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي ينتقل من “التوسع المتزامن” إلى “التعافي المتباين”، ومن “هيمنة الطلب” إلى “هيمنة قيود العرض”، ومن “هيمنة السياسة الكلية” إلى “تشكيل مشترك بين الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا”.
الخلاصة: ما ينبغي للأسواق الحذر منه ليس الركود، بل تحوّل التقلب إلى الوضع الطبيعي
ربما لا تكون أهم إشارة في استطلاع كبار الاقتصاديين الحالي هي أن “احتمال الركود العالمي لا يزال منخفضًا نسبيًا”، بل إن “استقرار الاقتصاد العالمي يتراجع”. ففي بيئة تتعايش فيها صدمات الطاقة وضغوط الديون والاحتكاكات التجارية والقفزات التكنولوجية، يصعب على الأسواق أن تعتمد على متغير واحد للحكم على اتجاه الدورة.
المفتاح في المستقبل ليس التنبؤ بما إذا كانت الصدمة العابرة ستنتهي أم لا، بل فهم ما إذا كان الاقتصاد العالمي يدخل حالة أكثر شيوعًا: النمو ليس سيئًا، لكنه غير مستقر؛ التضخم ليس مرتفعًا، لكنه قابل للتكرار؛ الذكاء الاصطناعي مهم، لكن تحقق مكاسبه بطيء؛ المخاطر ليست متركزة، لكنها مستمرة.في مثل هذا العالم، تغيّر محور الحكم الكلي: لم يعد الأمر يتعلق بالبحث عن عودةٍ إلى التوازن القديم، بل بالتعرّف على تشكّل توازنٍ جديد.
بوصلة المصادر · ecobserver
تضع ecobserver هذه الملاحظة ضمن تحليل اقتصادي كلي عالمي هادئ وقائم على البيانات يغطي التضخم والبنوك المركزية والتجارة والمناطق والاسواق وال... (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص). ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ الاقتصاد الكلي / السياسة النقدية / التجارة والبيانات يوضح الزاوية التحريرية المحلية.